الحراك الريفي: قراءة في الخطاب

آخر تحديث : الثلاثاء 2 يناير 2018 - 9:20 مساءً
امبارك ضيفي

توطئة :

في كل الحركات الشعبية الاحتجاجية، عبر التاريخ البشري المعاصر، يكون هناك  انسجام بين النظرية والممارسة، ويكون الوعاء التنظيمي لذاك الحراك الشعبي، سلميا كان او مسلحا، بمثابة التطبيق المرن لتاكتيك قيادته الذي يرمي إلى تحقيق استراتيجية كبرى و غاية قصوى، قد تصل مداها و تطالب بإسقاط النظام الذي انفجرت في أحشاءه.

و في حالة المغرب، منذ 2010 تبين بالملموس حجم الاستقطاب الشعبي الذي حققته القوى المتفاعلة في المجتمع المغربي، و انعكاسه السلبي على التوازن المجتمعي، من خلال توسيع نسبة اللامبالاة و عدم المشاركة في تسيير الشأن العمومي، نتيجة غياب الديمقراطية الداخلية في الاحزاب المشاركة في تأثيث المشهد السياسي المغربي، و غياب الديمقراطية التشاركية كفضاء جديد بين الدولة و المجتمع المدني.

في ظل هذه الشروط الذاتية ، و ارتباطها الجدلي بشروط موضوعية تجد ما يفسرها في ارتفاع البطالة خاصة بطالة خريجي المعاهد و الجامعات و المدارس العليا، انفجر الحراك الريفي نهاية عام 2016، إثر الإحتقان التاريخي في منطقة الريف، و انتشر معه خطاب جديد نسبيا، في أوساط النخب المشاركة في الحراك  ميدانيا و إعلاميا، و على مستوى الشبكة العنكبوتية.

فما هو الحد الفاصل بينه و بين باقي الخطابات المتفاعلة معه و المنفعلة به ؟

  • ما يسمى بخطاب البلطجية.

” نحشم نجمع أولاد عمامي نطلعو نقطعوك” ، “حنا كانطلبو من الأمن اتساخر للور ويخليونا حنا معهم منا ليهم.. حنا كنطلبو السلطة تمشي فحالها وتخلينا منا ليهم، حنا هاد الناس كدين بهم، نعطيو دمنا، وعارفين أش غانديرو معهم”.. ” طلقونا عليهم “..غالبا ما ترفع الأعلام الوطنية مرفوقة بصور الملك   لتدعيم هذا الخطاب ..إن كان بإمكاننا تسميته بأنه اصلا خطاب؟

هذه نماذج قليلة بالصوت و الصورة في الشبكة العنكبوتية، تبين وجود طائفتين في الشارع العمومي المغربي. طائفة تدعو السلطة إلى فتح المجال لها من أجل غزو الطائفة الثانية التي سيظهر من خطابها هي أيضا أنها غير بريئة، حيث تستفز الأولى في مشاعرها إزاء الموجود المؤسساتي المغربي، المقدس منه و المدنس أيضا.

في الحراك الاجتماعي الذي انطلق في المغرب عام 2011 لوحظ وجود مثل هذه الخطابات في ساحات التظاهر. ما مصدر هذا العنف المتبادل بين أبناء الشعب الواحد.؟

يرى بعض المحللين في علم النفس السياسي، أن النعرات القبلية مازالت تحرك مثل هذه الأنواع من العنف الرمزي و المادي، و يذهب ضحيتها العديد من الأبرياء.

من هنا تنبع ضرورة تحمل الدولة مسؤوليتها الأمنية، في تأمين الإنسان و المجال. و لهذا وجدت أصلا و إلا فإن اضمحلالها افضل بكثير من عدم قيامها بواجبها الأصلي، و الذي يفيد عدم انحيازها لجهة دون اخرى حتى لدواعي امنية نفسها، فالعقد الاجتماعي بين طبقات المجتمع و الدولة الراعية لأمنها وحده يجب أن يكون الناظم لعلاقة الدولة بالمواطنين و المواطنات.و ليس منطق ” الأرض مقابل السلام ” المستورد في الحالة العبرية .

بعد المصادقة على دستور المملكة الشريفة في فاتح يوليوز 2011 لم يعد مقبولا أبدا أن تسمح الدولة لمثل هذه التشوهات المجتمعية لانها تسيء لدولة الحق و القانون.

فما شأن هذه الفئة في موضوع الاحتجاج الشعبي أين ما كان في كل جزء من أرض الوطن ؟ متى يمكن لهذا الخطاب أن يجد مبرره؟

أليس التعدد و الاختلاف تعبير طبيعي عن نبض المجتمع ؟ أليست هذه مظاهر وجود من استجاب للدعوة الربانية : ” و لتكن منكم أمة (جماعة) يدعون للخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر “؟ بالتي هي أحسن، أي بالسلمية نفسها بلغة الحراك الشعبي ؟ و في إطار القانون الوطني الذي يصادق على القانون الدولي من اجل المطابقة .

لا مبرر لوجود مثل هذا الخطاب اليوم ؟ إلا إذا كان لسان حال طبقات لها المصلحة في الصراع الاجتماعي مع أخرى حفاظا على امتيازاتها. و في هذه الحالة، فإن الدولة لا يمكن أن تكون إلا دولة الطبقات الغالبة ، فهل هذا واقع الدولة في المغرب ؟

  • الخطاب النخبوي .

يساير بعض الاحيان هذه التحركات الشعبية بعض التفاسير من طرف العديد ممن الاساتذة الجامعيين و المحاماة و رجال الإعلام تكاد لا تميز بينها و بين خطاب العنف الممارس على نشطاء اي حراك مجتمعي منذ ما قبل 2011، هؤلاء ايضا يصفهم قياديو الإحتجاجات بأبواق السلطة هنا أو في أي مكان آخر في العالم…

هنا يبرز الإختلاف و يتضح أكثر فأكثر، و تبدو الطائفتين أنهما تتصارعان على شرعية الخطاب العلمي و الموضوعي. هؤلاء أيضا لا يقدمون للدولة الشيء الكثير، لأنهم يعبرون عن مواقفهم من الحركات الشعبية بالشكل الذي يجعل منهم لسان حال جهة ما مندسة في البلاد تعود ملكيتها الحقيقية لجهات نافذة في الدولة أو في المعارضة الغير الرسمية أي الغير المعلنة أو من الأفضل تسميتها بالمعارضة المنظمة سرا.

هذه الوجهة على الدولة تحديد مسؤوليتها منها، و لا يمكن الاستفادة من خدماتها حفاظا على الطابع الديمقراطي للدولة في التعامل مع التزاماتها إزاء شعب  المواطنين بلغة المنصف المرزوقي.

هذه ايضا لا يمكن ان تسخر وسائل الاعلام العمومية من اجل قضاء مآرب الجهات التي تدفع بها إلى الحلبة .

هذا يثير احتكار الدولة لوسائل الاعلام من طرف طائفة دون أخرى ، و ضرب حق الجميع في الوصول للمعلومة و التعبير عنها، و بالتالي تساهم هذه النخب في زعزعة استقرار البلاد.(مثل هذا المنحى في حالة حراك الريف كل من الشيخ الفيزازي، الناشط الامازيغي عصيد ، الأستاذ الجامعي منار السليمي،…. و آخرون كثير).

  • الخطاب الحكومي و الرسمي .

هذا بيت القصيد، من المفروض فيه أن يكون هو المسيطر على جميع الخطابات الأخرى و الداحض لكل شبهة عن سلامة المواطنين و المواطنات و المس بأمن الدولة الداخلي و الخارجي .

إلا أن ضعف قيادة الحزب الأغلبي الذي يقود التجربة الحكومية المغربية لثاني مرة على التوالي ، أعني حزب العدالة و التنمية، و سيطرة هواجس سيكولوجية في الحرب الحزبية على منافسه المعارض حزب الأصالة و المعاصرة، جعل من خطاب الحكومة خطابا هجينا، لأنه يعلق كل إخفاقاته في تدبير الشأن العمومي على باب الأصالة و المعاصرة . و لما كان السيد الأمين العام إلياس العماري، من أبناء الحسيمة ، إمزورن بالضبط، فإن الأمر تعقد أكثر فأكثر، حيث تأزم هذا الخطاب الحكومي على لسان السيد رئيس الحكومة العثماني ، بنعت المواطنين في الريف بالانفصاليين و اتهام هؤلاء للحكومة بأنها مجرد عصابة، على حد تعبير مولاي امحند (هل أنتم حكومة أم عصابة؟).

لهذا التجأ الخطاب الحكومي إلى المراوغة و عدم مواجهة الحراك الشعبي بالكثير من الحقائق، خاصة تلك المرتبطة بمصير المشاريع المبرمجة في جميع القطاعات الحكومية و على رأسها القطاعات المنتجة لفرص الشغل أمام الشباب الريفي و ناصر الزفزافي واحد منهم و ناطق بآلامهم .

الهروب كالنعامة إلى عمق الرمال من اجل عدم الإفصاح عن حقائق التعطيل الذي شمل العديد من المشاريع التي اعطى انطلاقتها العاهل الكريم في الحسيمة ، سببه هو تربع حزب الأصالة و المعاصرة على رئاسة أغلبية الجماعات المحلية بالريف مما أجج الاحتقان بينه و بين الحزب الإسلامي الحاكم في بلادنا .

هذا الخطاب الحربائي لا يفيد لحظة الانفجار التاريخي ، خاصة وأن المطالب الشعبية مطالب مشروعة باعتراف الحكومة نفسها .

  • الخطاب الحقوقي و الحزبي و النقابي و الجمعوي.

يمكن إدراج هذا النوع من الخطاب في المعلن عنه عبر تظاهرات جماهيرية، غالبا ما تكون فيها التيارات مختلفة و متنوعة و متناقضة أيضا .

و تصل بعض الأحيان من حيث عدد المشاركين فيها إلى الآلاف، تعلو فيها الحناجر عالية و ترفع فيها شعارات كبيرة من حيث حمولتها السياسية، تتجاوز بعض الأحيان سقف المطالبة بالملكية البرلمانية، كأقصى حد يمكن ان يجمع بين الأمازيغي الحركي، و الإسلامي “القومي ” (أي الذي يتطلع إلى قومة آل البيت بحسب تعبير شيخ العدل و الإحسان ) و بين الإسلامي المعتدل أو الإصلاحي (جمعيات التوحيد و الاصلاح الهادفة إلى إقامة الدين في الدولة و المجتمع ) و من يدور في فلكها… كشبيبة العدالة و التنمية  و جمعياته الحقوقية،(منتدى الكرامة ….)

و التحقت إلى صفوف هؤلاء ايضا جمعيات السلفية الجهادية التي راجعت أفكارها من داخل السجون.(جمعية النصرة و… و المجموعات المختلفة كإخوان الحدوشي و اخوان  الفيزازي و اخوان القباج و اخوان الشاذلي و اخرون كثير) . و مستقبلا قد يظهر في اي حراك شعبي تنظيمات الشيعة المغربية  .

هذا الجناح له امتداداته داخل الجامعة بشكل قوي و كبير. و يشكل اذرع المحافظين المعتدلين و المتشددين، يقابله الجناح اليساري بقيادة قوى اليسار الجديد (حزب النهج الديمقراطي و روافده الحقوقية ) و قوى الإصلاح على اسس الاشتراكية العلمية (اليسار الاشتراكي الموحد و حزب الطليعة ..) و ما تبقى من التيارات التي انسلخت عن قوى التناوب التوافقي و المندسة في النقابات و منها (رفاق الأموي في الكدش  …و آخرون) و روافدها الحقوقية.. كجمعية عدالة …الخ.

ينضم إلى هذا الجناح الجمعيات الحقوقية النسوية التي تشكل فيه امتداد يسعى إلى البروز في الواجهة من أجل المنافسة على المناصب السامية في إطار المناصفة داخل المؤسسات الحكومية.

هذا الجناح الأخير يستهوي أيضا امتدادته في الحركة الطلابية بقيادة الطلبة القاعديين و حركة المعطلين و الحركة التلاميذية الغير المنظمة ، …

هذا الخليط  على المستوى المرجعي، ينفي عنه اصحابه  اي انتماء إيديولوجي، أو انتماء هوياتي، و يسعى أنصاره إلى الظهور مظهر الديمقراطي الحريص على المصلحة العامة، لهذا انتهى إلى فشل إبان تجربته في الاحتجاجات الاجتماعية التي تزامنت مع ما يسمي بالربيع العربي، و أطلق عليه حركة 20 فبراير ، و التي كانت ستكون حركة 29 فبراير، تاريخ تأسيس الجبهة الانفصالية أو البوليزاريو.

  • الخطاب الزفزافي.

الخطاب الريفي أو إذا صح التعبير الخطاب الزفزافي، جاء نتيجة قراءة في خطاب حركة 20 فبراير السالف الذكر . و جمع ما بين الخطاب الإسلامي و الحقوقي و وظف اللغة الأمازيغية الريفية بالخصوص لاعلان انتماءه للحركة الثقافية الأمازيغية .

و لأول مرة استغل قائد الحراك الريفي المعتقل السياسي ناصر الزفزافي و رفيقاته و رفاقه، التراث الريفي المرتبط برمز الحركة الوطنية بالريف مولاي امنحد.

فضلا عن اعتماده خطاب حقوقيي هيئة الانصاف و المصالحة التي افردت للريف توصيات خاصة.

الهدف من هذا الخليط هو أن يندفع الجميع نحو انتفاضة الحسيمة، و يجد فيها نفسه،  فلقد تبين من تجربة العشرين من فبراير 2011 أن القواعد المادية و الاجتماعية قد تلتف حول مطالب اجتماعية، يتم تداولها ظاهريا فيما كافة التيارات ترى في اللحظة التاريخية إمكانية بلوغ أهدافها التوسعية وسط المجتمع و بالتالي اعتماد تاكتيك يمكن من خلاله فتح جسور تكوين جبهة اجتماعية و تاريخية ،و رفع مطالبها نحو أعلى سلطة في البلاد لهذا كان القائد الميداني ناصر الريفي ، بعد أن وجد الساحة فارغة و هو نفس الشيء بالنسبة لحركة 20 فبراير 2011 رفع من منسوب خطابه نحو صاحب الجلالة القائد الاعلى للقوات المسلحة بقوله (حتى انت مبغيش المصالحة مع الريف).

و هو ما جعل الأطراف المعارضة كجماعة العدل و الاحسان و من والها من الشباب العاطل عن العمل، تخرج بطونها كاملة وسط قبائل حراك الريف، كي تعبر عن موقفها من النظام المغربي .

ليس هذا فحسب بل أن باقي قياديي انتفاضة الريف الميدانيين يرون في هكذا خطاب تنفيس عن الأزمة السيكولوجية الناتجة عن التراكم التاريخي الذي تعاملت به الدولة إزاء الأوضاع في الريف إثر أحداث 1984 و 1958 و هو ما يعني أن الانتفاضة ما هي سوى تراكم كمي انفجر في لحظة القفزة النوعية إثر مقتل تاجر الأسماك محسن فكري و محاكمة من له يد في مقتله. و ما ترتب عنه من فصول في المحكمة الابتدائية مما جعل الشباب العاطل عن العمل يجدها فرصة لتفجير حدقه الدفين نتيجة الاحتقان الاجتماعي الذي وصل مداه ما بعد زلزال تاركيست و ما جاورها ، و حوادث الجثث المحروقة في البنك، و هو ما زاد الطين بلة حيث الاحساس بالحكرة و الظلم .

هذا الخطاب يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن التيارات المتفاعلة فيه ترجئ تناقضاتها الداخلية إلى حين نضج فرص التاريخ لكي تنفجر على أسس نظرية و تفتح مجالها للإقتتال الميداني الذي يسبقه التناحر النظري، بفعل الصراع على قيادة الصراع الاجتماعي و حسمه لصالح جهة دون اخرى.

من هنا فهذا الخطاب يفتقد للتلاحم الداخلي النظري ولن يرقى أبدا إلى تحقيق أهداف ثورية غير معلنة، لكن سيبدو دائما أنه في صورة الفوضى الخلاقة من أجل مكاسب مادية صرف، مرتبطة بالحياة اليومية لشعب المواطنين إن صح تعبير المنصف المرزوقي رئيس تونس ما بعد الربيع التونسي الذي فجره بائع الخضر البوعزيزي الجامعي االمعطل.

الكاتب: امبارك ضيفي

صحفي ومناضل نقابي

2018-01-02
المنظمة