التعليم والإعــاقة

بهيجة تجيتي

آخر تحديث : الثلاثاء 2 يناير 2018 - 9:21 مساءً
بهيجة التيجيتي

عرفت المنظومة التربوية المغربية في العقد الأخير جملة من التغيرات التي تدخل في إطار أجرأة القوانين المتعلقة بالرعاية الاجتماعية للأشخاص في وضعية إعاقة، ولا ننفي المجهودات الجبارة التي بذلت لتعميم التعليم، ومع ذلك يبقى واضحا حجم إقصاء الأشخاص في وضعية إعاقة من ولوج منظومة التعليم حيث أن النسبة الوطنية لتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة للفئة العمرية من 6 إلى 17 سنة، لم تتجاوز 41,8%، وأن نسبة تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة من الفئة العمرية 6-11 سنة، لم تتجاوز 37,8%، في المقابل تبلغ النسبة الوطنية للتمدرس لنفس الفئة العمرية لباقي الأطفال 99,5%، وبالنسبة للأطفال في وضعية إعاقة الذين تتراوح أعمارهم بين 12-14 سنة، فيسجل البحث الوطني أن نسبة التمدرس تصل إلى 50,1%، في الوقت الذي بلغت النسبة الوطنية لنفس الفئة العمرية لباقي الأطفال 87,6%. كما أبرز البحث الوطني أن 79% من الأطفال لا يتجاوزون مستوى التعليم الابتدائي وأن 1,6% فقط من الأشخاص في وضعية إعاقة لهم مستوى تعليمي عالي (حسب وزارة التربية الوطنية – موجز إحصائيات التربية 2013-2014)، وتبقى هذه المعطيات نسبية نظرا لعدم التصريح ببعض الحالات. وهذا رغم صدور عدد من النصوص القانونية والتنظيمية  كقانون  إلزامية التعليم وقانون الرعاية الاجتماعية للمكفوفين وضعاف البصر وكذا قانون الرعاية الاجتماعية للأشخاص المعاقين وأيضا المرسوم التطبيقي لقانوني الرعاية الاجتماعية، دون غض النظر عن القانون الإطار الذي أتى برؤية تصحيحية شمولية مبنية على مقاربة حقوقية متقدمة ترتكز على مفهوم دستوري (الفصلان 31 و 34) وعلى اتفاقيات دولية صادق عليها المغرب سنة 2009 وتضمن هذا القانون مجموعة من المقتضيات التي توفر للأشخاص في وضعية إعاقة الحق في التسجيل بمؤسسات التربية والتعليم وبمؤسسات التكوين المهني ولاسيما منها الأقرب لمحل إقامتهم وكذا استعمال الوسائل التعليمية الملائمة لاحتياجاتهم ولطبيعة إعاقتهم، كما أكد على إلزام الدولة وبشكل صريح بتوفير الترتيبات التيسيرية، كما تم التنصيص على دمج المؤسسات المختصة واعتبارها جزءا من منظومة التربية والتكوين وفي ظل هذه القوانين، فإن نظام التعليم الإدماجي في المغرب متكون من ثلاث أنواع من الأجهزة (المؤسسات العادية والأقسام المدمجة والمؤسسات المتخصصة) وهذا النظام في مجمله لا يرقى إلى نظام التعليم الشامل أو التربية الدامجة في الإطار المعياري الدولي، حيث أن الأقسام المدمجة التي هي عبارة عن أقسام توجد داخل المدارس العادية من المفروض أن تتوفر في كل مؤسسة وتوفر الظروف الملائمة من حيث الموارد البشرية والمناهج التربوية وتواجد ذوي الاختصاص عكس ما نجده على أرض الواقع قلة أقسام الإدماج المدرسي وانعدامها في جل المؤسسات التعليمية وحتى مع تواجدها نلاحظ غياب بنية إدارية مهيكلة تشرف على الدمج المدرسي وأيضا نقص كبير فيما يخص الوثائق المتعلقة بالدمج المدرسي من نصوص قانونية وتنظيمية ومذكرات وزارية بسبب ضعف الإخبار والتواصل ناهيك عن ضعف المواكبة الميدانية والتنسيق مع الهيئات المعنية كهيئة المراقبة التربوية. والأخطر من كل هذا هو نقص التكوين للمدرسين أو المربيين المتخصصين فتبقى الموارد البشرية جد محدودة، أما فيما يخص المناهج والبرامج الدراسية فلم يتم ملاءمتها، كما أنه لا يوجد نظام موحد للتشخيص والتوجيه، وتبقى جل أقسام الإدماج غير متوفرة على التهيئة المناسبة، ولا تحترم المعايير، علما أن تواجد الأقسام المدمجة فقط في المدارس الابتدائية غالبا لدى الأطفال الذين يصلون إلى سن 15 سنة يغادرون المدرسة دون أن يتابعوا دراستهم أو يقبعون في الأقسام الابتدائية التي لا تستجيب لحاجياتهم. ونأخذ على سبيل المثال ثلاث مدارس في مدن مختلفة، مدرسة علال الفاسي بتمارة ومدرسة المنزه بالقصر الكبير وأخيرا مدرسة علال بن عبد الله بالرباط، وهذه الأخيرة تسهر عليها جمعية، والنقطة المشتركة بين المدارس هو الاكتظاظ الخطير وكل طفل معاق وجب مصاحبته بمرافقة وتكلفتها يتحملها أولياء ذوي الإعاقة رغم أن الأقسام لا تستجيب لتطلعاتهم لانعدام توفر الدعم اللازم لمتطلبات هاته الجمعية.

وفيما يخص المواكبة للمرافقات فهي شبه منعدمة وهنا المهنة موجودة لكن أين المهنية؟

فهل يمكننا في ظل هذه الظروف اعتبار هاته الأقسام جسرا نحو المدرسة العادية؟

أكيد لا، بل جسرا لعبور متاهة يتقبلها آباء وأمهات ذوي الإعاقة على مضض.

وانطلاقا من الدراسة الميدانية نلاحظ أن نسبة التمدرس لا ترتبط فقط بنوع الإعاقة ومدى خطورتها بل أيضا بالجانب المادي لأولياء ذوي الإعاقة لما تتطلبه المصاحبة والترويض  من موارد مالية وتواجد مرافقة في الحياة المدرسية لكل ذي إعاقة دون الحديث عن المتابعة الصحية غير المتوفرة في الكثير من المناطق.

وقد بين هذا النموذج من التعليم القائم على عزل الأشخاص في وضعية إعاقة سواء في المؤسسات المتخصصة أو أقسام الإدماج  بدعوى التخصص، إلى زيادة تهميشهم عن المجتمع كما ساهم في التنميط المغلوط والأحكام المسبقة الخاطئة اتجاه قدراتهم المتطورة.

كما أكدت البحوث القائمة أن العديد من الدول تدرك اليوم عدم صلاحية التعليم القائم على الفصل، من حيث الفعالية ومن حيث الاحترام الواجب لحقوق الإنسان.

ويمكن القول أن المغرب يتوفر على إطار سياسي تشريعي ملائم لإرساء منظومة تربوية شاملة على ضوء الرؤية الإستراتيجية 2015 -2030 لاسيما ما يتعلق منها بالرافعة الرابعة الخاصة بتأمين حق الأشخاص في وضعية إعاقة، وهو الأمر الذي يظل حبرا على ورق، ما دامت البيئة التعليمية غير متوفرة على الشروط اللازمة لإدماج الأطفال ذوي الإعاقة والاعتراف بقدراتهم المتطورة، ويبقى التحدي المقبل هو تفعيل هاته القوانين وتنزيل مشاريع الرؤية الإستراتيجة على أرض الواقع، وخاصة ما يتعلق بمجال الإنصاف وتكافؤ الفرص، بتمكين وتأمين التمدرس للأشخاص في وضعية إعاقة في جميع المؤسسات العمومية وبدون أي تمييز.

الكاتبة: بهيجة تجيتي

2018-01-02
المنظمة